قض..ية إسمها الحب فيصل وسلوي الاول والثاني
الفصل الثاني
أول مواجهة
من أول ما رجعت سلوي البيت وهي حاسة إن اليوم لسه مخبّي لهم حاجة.
حطت شنطتها على الكرسي، وخلعت حذاءها وهي بتبص لأختها اللي كانت قاعدة جنب والدتهم، ماسكة موبايلها وبتبص للشاشة كل شوية.
لسه ما اتصلش؟
رفعت أختها عينيها.
لأ.
سلوي قعدت جنبها.
طيب كويس.
مش عارفة إذا كان كويس ولا لأ.
على الأقل ما عملش حاجة لحد دلوقتي.
الأم تنهدت.
الراجل ده مش هيسيبها في حالها.
سلوي بصت لها.
إحنا كمان مش هنسيبه يخوفها.
في اللحظة دي، موبايل أختها رن.
الثلاثة بصوا للشاشة.
الاسم ظهر.
مراد.
إيد أختها ارتعشت.
سلوي قربت منها.
ردي.
مش قادرة.
ردي وأنا جنبك.
فتحت المكالمة، لكن ما لحقتش تقول حاجة.
جاء صوته مباشرة.
رجعتي بيت أهلك؟
سكتت.
بسألك.
ردت بصوت ضعيف:
أيوه.
كويس.
كان هادي بشكل مخيف.
عايزك ترجعي بكرة.
مش هرجع.
ضحك ضحكة قصيرة.
إنتِ لسه فاكرة إن الموضوع بإيدك؟
سلوي قربت من أختها أكثر.
مراد كمل:
الأولاد هينزلوا عندي بعد المدرسة، ومش هتشوفيهم غير لما أعرف إنتِ ناوية تعملي إيه.
أختها انتفضت.
متدخلهمش في مشاكلنا.
هما مش مشكلتكم. هما أولادي.
وأنا أمهم.
يبقى اثبتي إنك أم كويسة.
قفلت أختها المكالمة فجأة، وحطت الموبايل على الترابيزة.
انفجرت في البكاء.
سلوي حضنتها.
ما تخافيش.
هيمنعني عنهم.
مش لوحده اللي يقرر.
بس قال…
قال كلام يخوفك بيه. إحنا عندنا محامي، وهنتصرف صح.
الأم قامت.
اتصلي بالأستاذ فيصل.
سلوي بصت لها.
دلوقتي؟
أيوه.
مسكت موبايلها واتصلت.
ردت السكرتيرة، وسلوي شرحت لها اللي حصل.
بعد لحظات، سمعت صوت فيصل.
سلوي؟
مجرد سماع اسمه خلى انتباهها يتركز.
أيوه.
حصل إيه؟
حكت له باختصار.
ما قاطعهاش.
ولما خلصت، قال:
خلي أختك ما تردش عليه تاني النهارده.
طيب لو اتصل؟
ما تردش.
ولو بعت لها؟
تحتفظ بكل الرسائل.
سكتت لحظة، ثم قالت:
هو بيهددها بالأولاد.
التهديد وحده مش معناه إنه يقدر ينفذ اللي بيقوله.
يعني نعمل إيه؟
هاتي كل الرسائل اللي بينكم وبينه. وأنا محتاج أشوف المستندات اللي اتفقنا عليها.
هنجيبهم لحضرتك.
لأ. ابعتيهم على المكتب، وأنا هراجعهم قبل ما تيجوا.
حاضر.
كان المفروض تنهي المكالمة.
لكنها قالت من غير ما تفكر:
أستاذ فيصل؟
أيوه؟
شكرًا.
جاء صوته هاديًا.
ما تشكرينيش دلوقتي.
ثم أنهى المكالمة.
فضلت سلوي بصّة للموبايل.
أختها لاحظت.
قال إيه؟
قال إننا ما نخافش، وإنه هيشوف الموضوع.
ارتحتي؟
شوية.
لكن الحقيقة إنها لم تكن تعرف هل ارتاحت بسبب كلامه عن القض..ية، أم بسبب الطريقة اللي قال بها إنه موجود ويتابع كل شيء.
حاولت تتجاهل الفكرة.
—
في صباح اليوم التالي، وصلت المستندات لمكتب فيصل.
جلس خلف مكتبه ساعات طويلة يراجع كل ورقة.
لم يكن يعتمد على كلام أخت سلوي وحده، ولا على الصورة التي رسمتها له عن زوجها.
كان يريد شيئًا أكثر وضوحًا.
تفاصيل مالية.
مراسلات.
تواريخ.
إجراءات سابقة.
أي شيء يثبت الوقائع بدل ما يحول القض..ية لمجرد اتهامات متبادلة.
بعد وقت، اتصل بالسكرتيرة.
خلي مدام سلوي تيجي بعد الضهر.
هي ولا أختها؟
هي الأول.
السكرتيرة رفعت حاجبها باستغراب بسيط، لكنها اكتفت بهز رأسها.
بعد ساعة تقريبًا، كانت سلوي واقفة أمام باب المكتب.
خبطت.
جاء صوته:
ادخلي.
دخلت.
كان فيصل واقفًا أمام المكتبة، ماسك ورقة وبيقرأها.
رفع عينه لها.
اقعدي.
قعدت.
حط الورقة على المكتب.
المستندات اللي وصلتني ناقص منها حاجات.
ناقصة؟
أيوه. في ورق يخص الحسابات والمصروفات، وكمان محتاج أعرف تفاصيل معينة عن الأولاد.
فتحت شنطتها.
أنا جبت كل اللي أختي قالت لي عليه.
وأنا مصدقك.
نظر لها.
بس القض..ية محتاجة أكتر من اللي عندك.
أجيبهم.
هتقدري؟
طبعًا.
ابتسم ابتسامة خفيفة.
واضح إنك بتحبي تردي بسرعة.
استغربت.
يعني إيه؟
يعني ما تستنيش السؤال يخلص.
ابتسمت رغما عنها.
أصل حضرتك بتتكلم كأنك في محكمة.
أنا محامي.
بس مش لازم كل كلامك يبقى رسمي.
رفع حاجبه.
تحبي أبقى إزاي؟
اتوترت للحظة.
لا… مفيش.
رجع للملف.
أنا هطلب من أختك مستندات معينة. وإنتِ بما إنك بتتابعي معاها، خليها تجهزهم.
حاضر.
ناولها ورقة.
مدت إيدها، وفي اللحظة نفسها مد يده ليشير إلى نقطة معينة.
إيديهما اقتربتا، لكنها سحبت يدها بسرعة.
آسفة.
فيصل بص لها لحظة، ثم سحب يده بهدوء.
مفيش حاجة.
أخذت الورقة.
حاولت تركيز عينيها عليها، لكنها كانت حاسة إن الموقف الصغير ده عمل ارتباك مالوش لازمة.
فيصل لاحظ شرودها.
في حاجة؟
لأ.
متأكدة؟
أيوه.
قامت.
أجيب الورق إمتى؟
بكرة.
حاضر.
كانت هتمشي، لكنه ناداها.
سلوي.
لفت.
أيوه؟
لو مراد كلمك، ما تدخليش معاه في نقاش.
أنا؟
أيوه، إنتِ.
أنا مش بكلمه.
كويس. خليه يفضل كده.
خرجت.
وفي اللحظة اللي قفلت فيها الباب، فيصل ساب القلم من إيده وسند ظهره للكرسي.
ما كانش عايز يعترف حتى لنفسه إنه بدأ يلاحظ وجودها.
مش جمالها فقط.
طريقة دفاعها عن أختها.
سرعتها.
اندفاعها.
وفي نفس الوقت، كان واضح إنها مش متعودة على عالم المحاكم والقضايا.
هو عارف إن ده خطر.
لأن أي شيء شخصي ممكن يخلّي الحكم المهني يتأثر.
فتح الملف من جديد.
ورجع للقض..ية.
—
بعد يومين، ظهرت أول مفاجأة.
وصل إنذار رسمي لأخت سلوي.
كان فيه اتهامات ضدها بالإهمال، وترك منزل الزوجية، وعدم الالتزام بواجباتها.
أختها أول ما قرأته انهارت.
شايفين؟ هو قلبها عليا!
سلوي أخذت الورقة من إيدها.
هنوديها لفيصل.
هو هيصدقني؟
هو شغله يثبت الحقيقة، مش يصدق حد وخلاص.
ذهبت سلوي إلى المكتب وحدها.
كانت تحمل الورقة داخل ظرف.
دخلت، ومدتها لفيصل.
قرأها بالكامل.
ملامحه لم تتغير.
وصل النهارده؟
أيوه.
كويس.
بصت له باستغراب.
كويس؟
أيوه.
إزاي كويس؟
لأنه عمل حاجة واضحة نقدر نرد عليها.
بس فيها كلام ظلم.
عارف.
رفع عينيه إليها.
وعشان كده مش هرد عليه بعصبية.
يعني؟
هنرد بالمستندات.
سكتت.
ثم قالت:
حضرتك دايمًا هادي كده؟
مش دايمًا.
أصل أنا لو مكاني، كنت هتخانق.
وده بالضبط اللي مش عايزك تعمليه.
ليه؟
لأن الغضب ساعات بيخلي الإنسان يعمل حاجة ضد مصلحته.
ابتسمت.
أنت بتدي نصايح كتير.
وإنتِ بتحتاجيها كتير.
فتحت فمها بدهشة.
حضرتك بتستفزني؟
ابتسم.
أحيانًا.
ضحكت من غير قصد.
كان أول مرة تشوف ابتسامته بوضوح.
ولسبب لم تفهمه، شعرت أن ملامحه أصبحت أكثر دفئًا.
خفضت عينيها.
طيب هنرد إمتى؟
عاد لصوته المهني.
بعد ما أراجع باقي الأوراق.
في حاجة ناقصة؟
شهادة من جهة عمل أختك، وكشف حساب معين.
هجيبه.
خليها تجيبه.
حاضر.
رفع عينه لها.
وإنتِ مش لازم تيجي كل مرة.
الجملة ضايقتها رغم إنها منطقية.
أنا عارفة.
قصدي إن الموضوع ممكن يتابع من غير ما تتعبي نفسك.
أنا مش بتعب.
واضح.
قامت وهي بتحاول تخفي ابتسامتها.
عن إذنك.
اتفضلي.
خرجت.
لكن قبل ما تنزل السلم، توقفت.
هي ليه اتضايقت لما قال لها إنها مش لازم تيجي؟
وقفت لحظة، ثم كملت طريقها.
—
في المساء، كانت سلوي قاعدة مع أختها في الشرفة.
الجو هادي، والأم دخلت تنام.
فجأة وصل إشعار على هاتف أختها.
فتحت الرسالة.
تغير لون وجهها.
إيه؟
ناولتها الهاتف.
كانت رسالة من مراد.
“لو فاكرة إن المحامي هيحميكي مني، ابقي اسأليه عن آخر قض..ية خسرها.”
سلوي قرأتها أكثر من مرة.
هو عايز يعمل إيه؟
معرفش.
واضح إنه بيحاول يخوفك.
بس هو يعرف حاجات عن فيصل.
سلوي سكتت.
فتحت الإنترنت وبدأت تبحث.
وجدت بالفعل أخبارًا قديمة عن قض..ية خسرها فيصل قبل سنوات.
لكن الخبر كان مختصرًا، من غير تفاصيل.
حاولت أختها تمنعها.
بلاش.
لأ.
سلوي…
لازم أعرف.
لكنها لم تكن تعرف أن البحث عن ماضي فيصل سيجعلها تكتشف شيئًا آخر.
وجدت صورة قديمة له.
كان فيها أصغر، واقف بجانب امرأة جميلة.
وتحت الصورة كلمات قليلة عن مناسبة اجتماعية.
قرأت الاسم.
زوجته الراحلة.
ثبتت عينيها على الصورة.
فجأة فهمت لماذا كان هادئًا أكثر من اللازم عندما يتعلق الأمر بالزواج.
الرجل ده كان أرمل.
ولأول مرة شعرت أن خلف ملامحه الجامدة حكاية كاملة لم تعرف عنها شيئًا.
قفلت الصفحة.
ما كانش من حقها تدور.
لكن الفضول كان أقوى.
—
في اليوم التالي، دخل فيصل المكتب ليجد رجلاً ينتظره.
عرفه فورًا.
مراد.
وقف أمامه.
حضرتك الأستاذ فيصل؟
أيوه.
أنا زوج موكلتك.
عارف.
ابتسم مراد.
كويس إنك عارف.
قول اللي جاي عشانه.
قعد مراد من غير ما يستأذن.
أنا مش جاي أهدد.
فيصل جلس أمامه.
تمام.
أنا عايز الموضوع يتحل بعيد عن المحاكم.
وإيه الحل من وجهة نظرك؟
مراتى ترجع البيت، وأنا أسحب كل حاجة.
فيصل ظل صامتًا.
مراد قرب للأمام.
بس بشرط.
إيه؟
أختها تبعد عنها.
رفع فيصل عينه.
مالها أختها؟
هي اللي بتشحنها ضدي.
دي مش مشكلتي.
هتبقى مشكلتك لو فضلت تدخل نفسها.
فيصل مال قليلًا إلى الخلف.
لو عندك كلام قانوني قوله.
ابتسم مراد.
واضح إنك فاهم.
وإنت واضح إنك فاهم إن مكتبي مش مكان للتهديد.
اختفت الابتسامة من وجه مراد.
أنا عايز أنبهك بس.
وأنا بنبهك آخر مرة، أي تواصل خارج الإطار القانوني مع موكلتي أو أهلها، هنحتفظ بيه ونتصرف بناءً عليه.
وقف مراد.
هنشوف.
لأ.
فيصل وقف هو الآخر.
مش هنشوف. هنتصرف.
خرج مراد.
ظل فيصل واقفًا للحظات.
كان عنده إحساس أن الرجل ده لن يكتفي بالكلام.
ولم يخطئ.
—
في نفس اليوم، كانت سلوي خارجة من محل قريب من بيتها، لما سمعت صوت سيارة تقف بجانبها.
التفتت.
وجدت مراد.
فتح زجاج السيارة.
اركبي.
وقفت مكانها.
مش هركب.
أنا مش جاي أعمل مشكلة.
يبقى كلم أختي.
أنا بكلمك إنتِ.
مفيش بيني وبينك كلام.
تحركت لتكمل طريقها.
لكنه نزل من السيارة.
إنتِ فاكرة إنك لما وديتي أختك لمحامي، الموضوع انتهى؟
أنا مش خايفة منك.
خافي على أختك.
توقفت.
بتتهددني؟
أنا بحذرك.
ابعد عني.
اقترب خطوة.
خليكي بعيدة عن بيتي وعن أولادي.
دول مش أولادك لوحدك.
تغير وجهه.
خليكي في حالك.
وإنت خليك بعيد عني.
استدارت ومشت بسرعة.
لم تلحق السيارة بها.
لكنها ظلت تشعر بأنفاسها سريعة حتى وصلت إلى البيت.
أول شخص فكرت فيه كان فيصل.
فتحت هاتفها.
ترددت.
ثم اتصلت.
رد بعد ثوانٍ.
سلوي؟
هو كلمني.
تغير صوته فورًا.
مين؟
مراد.
قال إيه؟
حكت له.
صمت لحظة.
ثم قال:
إنتِ فين دلوقتي؟
البيت.
اقفلي الباب كويس، وما تخرجيش لوحدك النهارده.
بس…
سلوي.
صوته كان حاسمًا.
اعملي اللي بقولك عليه.
لأول مرة، شعرت أن قلقه عليها لم يكن مجرد جزء من القض..ية.
ولم تعرف لماذا ارتاحت.
قالت بهدوء:
حاضر.
سكت لحظة.
ثم أضاف:
وأنا هتصرف.
قفلت المكالمة.
جلست على طرف السرير.
وضعت الهاتف بجانبها.
وبينما كانت تحاول تستوعب كل ما حدث، وصلتها رسالة جديدة من رقم مجهول.
فتحتها.
كانت صورة لأختها وهي خارجة من المحكمة القديمة التي كانت قد ذهبت إليها قبل سنوات.
وتحت الصورة جملة واحدة:
“دي مجرد البداية.”
رفعت سلوي عينيها عن الهاتف.
وفي اللحظة نفسها، جاء اتصال من فيصل.
ردت.
ألو؟
جاء صوته أكثر جدية من أي مرة سابقة.
سلوي، ما تفتحيش أي رسالة توصلك من رقم غريب، وابعتِيلي الصورة حالًا.
حاضر.
ومتخافيش.
سكتت.
كانت تلك أول مرة يقولها لها بتلك الطريقة.
أنا موجود.
لم تجد ما تقوله.
أغلقت المكالمة، وأرسلت له الصورة.
أما فيصل، فبمجرد ما وصلت إليه، عرف أن القض..ية أخذت اتجاهًا مختلفًا تمامًا.
مراد لم يعد يحاول فقط إنقاذ زواجه.
هو بدأ حربًا.
وفيصل لم يكن مستعدًا لأن يتركه يقترب أكثر من موكلته أو عائلتها.
لكن المشكلة التي لم ينتبه لها بعد…
أن سلوي نفسها بدأت تحتل مساحة مختلفة في تفكيره.
مساحة لم يسمح بها لأحد منذ سنوات.
وهو الرجل الذي أمضى سنوات يقنع نفسه أن قلبه انتهى يوم فقد زوجته…
لم يكن يعرف أن قض..ية عائلية عادية ستضع أمامه امرأة في السابعة والعشرين، وتجعله للمرة الأولى يسأل نفسه سؤالًا لم يجرؤ على التفكير فيه:
هل ممكن الإنسان يحب مرة تانية؟