حلم ليلة حب كانت ليان تؤمن أن بعض الأحلام لا تأتي عبثًا، وأن القلب أحيانًا يرى ما يعجز العقل عن تصديقه. في تلك الليلة، جلست وحيدة أمام نافذتها، تراقب المطر وهو يغسل شوارع المدينة. كانت قد اعتادت الوحدة، حتى أقنعت نفسها أن الحب حكاية جميلة لا تخصها. أغمضت عينيها، وتمنت أمنية واحدة: أن تعيش ليلة واحدة تشعر فيها أنها محبوبة حقًا. حينها غلبها النعاس. رأت نفسها في مكان لم تعرفه من قبل؛ حديقة واسعة تتوسطها نافورة، والسماء مملوءة بالنجوم. كانت ترتدي فستانًا أبيض، وشعرها ينساب خلف ظهرها. وفجأة سمعت صوتًا من خلفها: — تأخرتِ كثيرًا. استدارت. كان هناك رجل يقف تحت ضوء القمر، يبتسم لها وكأنه يعرفها منذ سنوات. همست: — من أنت؟ اقترب منها وقال: — الشخص الذي انتظرتِ أن يأتي طوال عمرك. شعرت بقلبها يخفق بعنف. — لكنني لا أعرفك. ابتسم بحنان. — ربما لا تعرفينني... لكن قلبك يعرفني. مد يده إليها، فترددت لحظة، ثم وضعت يدها في يده. مشيا معًا بين الأشجار، تحدثا عن أشياء لم تتحدث عنها مع أحد من قبل. أخبرها عن أحلامه، وأخبرته عن خوفها من أن تحب ثم تُخذل. توقف أمامها وقال: — الحب ليس وعدًا بألا نتألم، ليان... الحب أن نجد شخصًا يستحق أن نواجه الألم من أجله. نظرت إلى عينيه، وشعرت لأول مرة بالأمان. قالت بصوت خافت: — أتمنى ألا تنتهي هذه الليلة. ابتسم. — بعض الليالي تنتهي... لكن ما تتركه في القلب لا ينتهي. اقترب منها، ثم همس: — إذا استيقظتِ غدًا، لا تبحثي عني في الأحلام. رفعت عينيها إليه بدهشة. — لماذا؟ — لأنني سأبحث عنكِ في الحقيقة. فتحت ليان عينيها فجأة. كان الصباح قد بدأ يطل من نافذتها، والمطر توقف. وضعت يدها على قلبها، فوجدته يخفق بالطريقة نفسها التي خفق بها في حلمها. ابتسمت لنفسها وهي تتمتم: — كان مجرد حلم... ثم نهضت. وحين فتحت باب منزلها، وجدت أمامه باقة من الزهور، وبداخلها بطاقة صغيرة كُتب عليها: "إلى الفتاة التي حلمتُ بها ليلة أمس... هل تسمحين لي أن أحوّل حلمكِ إلى حقيقة؟" تجمدت ليان في مكانها. ثم رفعت عينيها نحو الرجل الواقف في نهاية الطريق. كان هو. نفس الابتسامة. نفس العينين. ونفس الصوت حين قال: — هذه المرة... لن تستيقظي مني. ابتسمت ليان، وعرفت أن بعض الأحلام لا تكون أحلامًا... بل بدايات لحب لم يكن القلب يعرف أنه ينتظره. ♡♡♡♡♡♡♡ كانت ليان قاعدة قدام شباك أوضتها، ساندة راسها على إيدها، وعينيها سرحانة في المطر اللي نازل بره. من وهي صغيرة وهي بتحلم بالحب، بس كل مرة كانت الحياة بتثبت لها إن الأحلام حاجة، والواقع حاجة تانية خالص. تنهدت وقالت لنفسها: — هو أنا ليه حاسة إن في حاجة ناقصاني؟ ضحكت بسخرية وهي بتبص لانعكاس صورتها على إزاز الشباك. — ناقصني إيه يعني؟ فارس على حصان أبيض؟ سكتت لحظة، وبعدين ابتسمت. — لأ... كفاية عليا واحد يحبني بجد. كان يوم طويل ومتعب، ولما دخلت سريرها، ما أخدتش وقت طويل قبل ما عينيها تقفل. لكن اللي حصل بعدها ما كانش شبه أي حلم شافته قبل كده. فتحت عينيها لقت نفسها واقفة في حديقة واسعة، مليانة ورد أبيض، وفي نصها نافورة صوت المياه بتاعتها هادي بشكل غريب. بصت حواليها باستغراب. — أنا فين؟ جالها صوت من وراها: — اتأخرتِ. لفت بسرعة. كان واقف قدامها راجل عمرها ما شافته قبل كده. طويل، هادي، وعينيه فيها حاجة خلت قلبها يدق بسرعة. فضلت باصة له كام ثانية قبل ما تسأله: — إنت مين؟ ابتسم وهو بيقرب منها. — آدم. — آدم مين؟ ضحك. — آدم اللي مستنيكي من زمان. رجعت خطوة لورا. — مستنيني أنا؟ — أيوه. — بس أنا معرفكش! قرب خطوة تانية وقال بهدوء: — يمكن إنتِ اللي مش فاكراني. هزت راسها بسرعة. — مستحيل. أنا عمري ما شوفتك. بصلها فترة طويلة، وبعدين مد إيده ناحيتها. — تعالي. بصت لإيده بتردد. — رايح فين؟ — المكان اللي هتعرفي فيه ليه اتقابلنا. — وإزاي أثق في واحد معرفوش؟ ابتسم وقال: — متثقيش فيا... ثقي في إحساسك. فضلت ساكتة. الغريب إن صوت جواها كان بيقول لها إنها تعرفه فعلًا، رغم إنها متأكدة إنها أول مرة تشوفه. مدت إيدها ببطء وحطتها في إيده. في اللحظة دي، حست بدفا غريب يسري في جسمها. مشيت معاه بين الأشجار. كان بيتكلم معاها كأن بينهم سنين من الكلام. — إنتِ بتخافي من الحب. بصت له باستغراب. — عرفت منين؟ — عينيكي قالتلي. — وإنت؟ — أنا بخاف من إني أحب حد وأخسره. سكتت. الكلمة لمست حاجة جواها. وقفت قدامه وقالت: — طب لو الحب وجع؟ رد من غير تردد: — يبقى نوجع سوا. ابتسمت رغمًا عنها. وفجأة قرب منها وقال: — ليان... — نعم؟ — لما تصحي، متدوريش عليا في الأحلام. قلبها انقبض. — ليه؟ ابتسم ابتسامة غامضة. — عشان هتلاقيني في الحقيقة. وقبل ما تسأله عن معنى كلامه... فتحت عينيها. شهقت وهي قاعدة على السرير. بصت حواليها. أوضتها. سريرها. الشباك. المطر. كل حاجة زي ما هي. حطت إيدها على قلبها، ولسه حاسة بدقات قلبها السريعة. — يا نهار أبيض... سكتت لحظة وبعدين ضحكت على نفسها. — ده أنا شكلي محتاجة أتجوز فعلًا. قامت من السرير واتجهت للحمام. لكنها وقفت فجأة قدام المراية. لأنها اكتشفت حاجة غريبة. إيدها كانت لسه دافية... كأنها فعلًا كانت ماسكة إيد آدم. هزت راسها تحاول تطرد الفكرة. — حلم يا ليان... مجرد حلم. لكنها ما كانتش تعرف إن الحلم ده... كان أول خطوة في حكاية هتغيّر حياتها كلها. وفي نفس اللحظة، وعلى بُعد شوارع قليلة من بيتها، كان آدم واقف قدام شباك أوضته، ماسك صورة قديمة في إيده. بص للصورة وهمس: — أخيرًا لقيتك. ♡♡♡♡♡♡ من يوم ما حلمت ليان بآدم، وهي مش قادرة تبطل تفكر فيه. كل ما تفتكر صوته وهو بيقول لها: «هتلاقيني في الحقيقة»، تحس بقشعريرة غريبة في جسمها. حاولت تقنع نفسها إن الموضوع مجرد حلم. لكن عقلها كان بيرجع لنفس السؤال: هو ليه كان اسمه آدم؟ وليه كانت حاسة إنها تعرفه؟ نزلت ليان من بيتها الصبح وهي ماسكة شنطتها، ولسه سرحانة في الحلم. ماما بصتلها وهي بتشرب قهوتها وقالت: — مالك يا ليان؟ شكلك مش هنا خالص. — أنا؟ لأ، عادي. — عادي إيه؟ بقالك عشر دقايق بتقلبي في المعلقة من غير ما تشربي القهوة. ضحكت ليان. — كنت سرحانة شوية. — في إيه؟ — ولا حاجة. خرجت بسرعة قبل ما أمها تفتح معاها تحقيق. كانت ماشية في الشارع وهي بتبص في الموبايل، وفجأة خبطت في حد جامد. — آه! وقعت الشنطة من إيدها، وانتشرت حاجتها على الأرض. — أنا آسف. الصوت. تجمدت ليان مكانها. رفعت عينيها ببطء. وفي اللحظة دي، الدنيا كلها وقفت. كان هو. نفس الملامح. نفس العينين. نفس الابتسامة الهادية. آدم. بص لها ثواني، وكأنه هو كمان مش قادر يستوعب اللي شايفه. انحنى وجمع حاجتها من على الأرض، وبعدها مد إيده لها بالشنطة. — اتفضلي. ليان ما أخدتش الشنطة. فضلت باصة له وهي مش مصدقة. قال باستغراب: — إنتِ كويسة؟ بلعت ريقها. — إنت... سكتت. — أنا إيه؟ — لا... مفيش. أخدت الشنطة بسرعة. هو فضل باصص لها، وبعدين قال: — إحنا اتقابلنا قبل كده؟ قلبها دق بعنف. — لأ. سكت لحظة. — غريبة. — غريبة إزاي؟ ابتسم ابتسامة بسيطة. — حاسس إني شوفتك قبل كده. ليان اتوترت. — يمكن شبه حد تعرفه. — يمكن. حاولت تمشي، لكنه قال: — استني. وقفت من غير ما تلف. — نعم؟ — اسمك إيه؟ ترددت لحظة، ثم قالت: — ليان. سكت. وعينيه اتغيرت فجأة. — ليان؟ لفت له. — أيوه. ابتسم، لكن ابتسامته المرة دي كانت مختلفة. — غريبة... — إيه اللي غريب؟ — ولا حاجة. — لأ، واضح إن في حاجة. هز راسه. — صدقيني، لما أعرف هقولك. استغربت أكتر. — هو إنت أصلًا اسمك إيه؟ نظر لها مباشرة وقال: — آدم. شهقت شهقة صغيرة من غير ما تقصد. هو لاحظ. — مالك؟ — ولا حاجة. — متأكدة؟ — أيوه. ابتسم. — تمام يا ليان. ومشى. فضلت واقفة مكانها تبص له لحد ما اختفى وسط الناس. حطت إيدها على قلبها وهمست: — مستحيل... لكن اللي زاد خوفها إن آدم، وهو ماشي، وقف للحظة وبص وراه. كان باصص عليها بنفس النظرة اللي شافتها في حلمها. وفي اللحظة دي، ليان فهمت إن اللي حصل مش مجرد صدفة. في المساء، رجعت ليان البيت وهي شاردة. دخلت أوضتها وقفلت الباب وراها. فتحت درج صغير جنب سريرها، وطلعت نوتة كانت بتكتب فيها أحلامها من زمان. قعدت على السرير وبدأت تكتب: "النهارده شفت آدم." وقفت بالقلم. ثم أضافت: "نفس آدم اللي شوفته في الحلم." وفجأة... سمعت صوت خبط على باب أوضتها. قفلت النوتة بسرعة. — مين؟ جالها صوت أمها: — أنا يا حبيبتي. — ادخلي. دخلت أمها، وفي إيدها ظرف أبيض. — ده كان عند باب البيت. — ليا؟ — أيوه. ناولته لها. ليان بصت للظرف باستغراب. مفيش اسم مرسل. فتحت الظرف. طلعت منه ورقة صغيرة. أول ما قرأت المكتوب، وشها شحب. كانت جملة واحدة: "قلتلك هتلاقيني في الحقيقة." تجمدت عينيها على الكلمات. رفعت رأسها ببطء ناحية أمها. — ماما... لكن أمها كانت خرجت من الأوضة. ليان رجعت تبص للورقة، وقلبها بدأ يخبط بعنف. لأنها كانت متأكدة من حاجة واحدة... آدم كان يعرف عن حلمها. حلم ليلة حب الفصل الثالث: أنا شوفتك قبل كده فضلت ليان طول الليل قاعدة على سريرها، والورقة في إيدها. كانت بتقرأ الجملة للمرة العاشرة: «قلتلك هتلاقيني في الحقيقة.» قلبها كان بيقول إن آدم هو اللي بعتها. لكن عقلها كان بيرفض يصدق. — مستحيل يكون عارف اللي حلمت بيه... قالتها وهي بتحاول تضحك على خوفها. — يمكن مجرد تشابه... يمكن حد بيهزر. لكن مين يعرف أصلًا إنها حلمت بآدم؟ هي نفسها ما حكتش لحد. حتى أمها. تاني يوم، راحت شغلها وهي مقررة تواجهه. لكن اليوم عدى من غير ما تشوفه. ولما خرجت من الشغل، وقفت قدام باب الشركة وهي بتدور بعينيها في الشارع. ماكانش موجود. تنهدت بضيق. — أهو... يمكن فعلًا كنت مكبرة الموضوع. خطت كام خطوة، وفجأة سمعت صوته من وراها: — بتدوري عليا؟ اتجمدت. لفت ببطء. كان واقف قدامها، لابس قميص أسود، وإيده في جيبه، وعلى وشه نفس الابتسامة اللي شافتها في الحلم. قالت بتوتر: — إنت بتعمل إيه هنا؟ — مستنيكي. — مستنيني أنا؟ — أيوه. — ليه؟ قرب خطوة. — عشان أسألك سؤال. رفعت حاجبها. — اتفضل. — إنتِ شوفتي حلم غريب امبارح؟ اتسعت عينيها. لثواني ماعرفتش تتكلم. وبعدين قالت بسرعة: — لأ. ابتسم. — كدابة. اتعصبت. — إنت مين عشان تتهمني بالكذب؟ — واحد شافك قبل ما تقابليه. — شفتني فين؟ سكت. بص لها طويلًا، وبعدين قال: — في حلم. اتسمرت مكانها. — إنت بتهزر؟ — لأ. — يعني إيه شفتني في حلم؟ — نفس الحديقة... نفس النافورة... نفس الفستان الأبيض. اتنفض جسمها. رجعت خطوة لورا. — إنت كنت هناك؟ هز راسه. — أيوه. — مستحيل! — وأنا كمان كنت فاكر إنه مجرد حلم. سكت لحظة، وبعدين كمل: — لحد ما شوفتك الصبح. ليان كانت بتبص له وهي مش عارفة تصدقه. — طب والورقة؟ ابتسم ابتسامة خفيفة. — وصلتلك؟ شهقت: — إنت اللي بعتها! — أيوه. — إزاي عرفت عنواني؟ — دي أول حاجة لازم تعرفي إجابتها. — وإيه الإجابة؟ آدم قرب منها، لكن وقف على مسافة تحافظ على هدوءها. — أنا ماعرفتش عنوانك من النهارده. سكتت. — يعني إيه؟ — يعني إن الحكاية بدأت قبل ما نتقابل. حست ليان بقشعريرة. — آدم... إنت بتخوفني. تغيرت ملامحه فورًا. — آخر حاجة عايزها إني أخوفك. — أمال عايز إيه؟ بصلها في عينيها وقال: — عايزك تفتكري. — أفتكر إيه؟ — إنك شوفتي المكان ده قبل كده. هزت راسها. — لأ. — فكري كويس. غمضت عينيها للحظة. الحديقة. النافورة. الورد الأبيض. القمر. وصوته. فتحت عينيها فجأة. — أنا عمري ما شفت المكان ده. آدم قال بهدوء: — متأكدة؟ — أيوه. طلع من جيبه صورة صغيرة ومدها لها. ليان أخدتها. أول ما شافت الصورة، شهقت. كانت صورة لحديقة قديمة. نفس النافورة. نفس الأشجار. نفس المكان اللي شافته في حلمها. لكن الصدمة الحقيقية كانت في أسفل الصورة. كان مكتوب تاريخ قديم. قبل خمسة عشر سنة. رفعت عينيها له. — الصورة دي لمين؟ قال: — لأبويا. — وإيه علاقتها بيا؟ صمت آدم للحظات. ثم قال: — دي مش أهم حاجة في الصورة. بصت تاني. وفي خلفية الصورة، كان فيه طفلة صغيرة واقفة جنب ست شابة. ليان قربت الصورة من عينيها. حست إن نفسها اتقطع. الطفلة... كانت شبهها بشكل مخيف. همست: — مين البنت دي؟ آدم بص لها، وصوته خرج هادي جدًا: — دي إنتِ يا ليان. وقعت الصورة من إيدها. — أنا؟ هز رأسه. — أيوه. — مستحيل... — كنت عارف إنك مش هتصدقي. — أنا مش فاكرة المكان ده. — عشان كنتِ طفلة. — وإنت؟ سكت. — إنت كنت فين وقتها؟ آدم نظر للصورة مرة أخرى. ثم قال: — كنت واقف جنبك. رفعت ليان عينيها إليه بصدمة. — يعني إحنا اتقابلنا قبل كده؟ ابتسم بحزن. — أيوه. ثم أضاف: — ومن ساعتها... وأنا بدور عليكي. •♡♡♡♡ فضلت ليان واقفة قدام آدم وهي مش قادرة تستوعب كلامه. إزاي يعني كانت تعرفه وهي طفلة؟ وإزاي صورة عمرها خمستاشر سنة فيها هي وهو؟ مدت إيدها للصورة تاني، وبصت فيها بدقة. الطفلة اللي واقفة جنب الست كانت فعلًا شبهها بشكل يخض. نفس العينين. نفس شكل الشعر. حتى الشامة الصغيرة اللي جنب خدها كانت موجودة. قالت بصوت مهزوز: — دي مش ممكن أكون أنا. آدم رد بهدوء: — ليه؟ — عشان أنا عمري ما شفت الصورة دي... ولا فاكرة المكان ده. — طبيعي متفتكريش. — طبيعي؟ رفع عينيه لها. — كنتِ صغيرة أوي وقتها. ليان سكتت لحظة، وبعدين سألته: — وإنت كنت كام سنة؟ — اتناشر. — يعني إنت كنت طفل زيي؟ ابتسم. — أيوه. — طب إيه اللي حصل؟ آدم أخد نفس طويل. — أبويا كان شغال في المكان ده. كان مسؤول عن مجموعة من المشاريع اللي كانت هناك، وكنا بنروح له أوقات. — وأمي؟ تغيرت ملامحه. — أمي ماتت بعدها بسنة. ليان سكتت. — آسفة. هز راسه. — متأسفيش. وبص للصورة. — يوم الصورة دي، أبويا كان عازم عيلة كبيرة من معارفه. وإنتِ كنتِ موجودة معاهم. — مين الست اللي واقفة جنبي؟ آدم سكت. السؤال واضح إنه لمسه. — دي والدتك. ليان شهقت. — ماما؟ — أيوه. — وإنت عارف ماما؟ — أبويا كان يعرفها. قلبها بدأ يدق أسرع. — تعرفها إزاي؟ آدم بص لها طويلًا، وكأنه بيحاول يقرر يقول لها الحقيقة ولا لأ. — العلاقة بين أبويا ووالدتك كانت أقدم مما تتخيلي. — يعني إيه؟ — معرفش كل التفاصيل. — بس إنت أكيد تعرف حاجة! رفعت صوتها من غير ما تقصد. — أنا بقالى يومين بشوفك في حلم، وبعدين ألاقيك قدامي، وبعدها تقول لي إنك تعرفني من وأنا طفلة، ودلوقتي بتقول إن أبوك كان يعرف أمي! آدم فضل ساكت. ليان قربت منه. — أنا من حقي أفهم. — عارف. — طيب فهمني. قال بهدوء: — مش هنا. — ليه؟ — لأن الكلام ده مش بسيط. — وإنت شايف إني أرجع بيتي وأتصرف كأن مفيش حاجة حصلت؟ — لأ. مد إيده بالصورة. — عايزك ترجعي بيها. أخدتها منه. — ليه؟ — وريها لمامتك. اتسعت عينيها. — ليه؟ — وشوفي رد فعلها. ليان فضلت باصة له. — وإنت مش هتيجي؟ — لأ. — ليه؟ ابتسم ابتسامة غامضة. — عشان عايز أعرف هي هتقولك إيه من غير ما تعرف إني موجود. حست إن الموضوع أكبر من مجرد حلم. لفت عشان تمشي، لكنه ناداها: — ليان. وقفت. — نعم؟ — متقوليش لمامتك إنك قابلتيني. لفت له باستغراب. — ليه؟ — بس اسمعيني. — إنت بتطلب مني أخبي عليها؟ — مؤقتًا. — وأنا أثق فيك ليه؟ آدم سكت ثواني. وبعدين قال: — متثقيش فيا. قرب منها خطوة. — بس ثقي في إحساسك. نفس الجملة. نفس الكلمات اللي قالها لها في الحلم. قلبها ارتجف. مشت من غير ما ترد. وصلت ليان البيت قبل المغرب. دخلت وهي ماسكة الصورة في إيدها، وحاولت تخبي توترها. لكن أول ما شافتها أمها، لاحظت إن وش بنتها متغير. — مالك يا ليان؟ — مفيش. — إنتِ متأكدة؟ — أيوه. قعدت ليان جنبها. وبعد لحظات من الصمت، طلعت الصورة. — ماما... أول ما وقعت عيني أمها على الصورة، اختفى اللون من وشها. إيدها بدأت ترتعش. — إنتِ جبتي دي منين؟ ليان اتفاجئت. — يعني إنتِ عارفاها؟ أمها ما ردتش. فضلت تبص للصورة، وبعدها رفعت عينيها لبنتها. — مين اداها لك؟ سكتت ليان. افتكرت كلام آدم. وبدل ما تقول اسمه، قالت: — لقيتها. أمها وقفت فجأة. — ليان، بقولك مين اداها لك؟ — ليه يا ماما؟ إيه اللي في الصورة؟ أمها قربت منها، وخطفت الصورة من إيدها. — الصورة دي لازم تختفي. — ليه؟ — لأنك مينفعش تعرفي حاجة عن اليوم ده. ليان قامت هي كمان. — ليه مينفعش أعرف؟ أمها بصت لها بعينين مليانين خوف. — عشان اللي حصل في اليوم ده... كان السبب في إن أبوكي سابنا. ليان اتجمدت. — بابا؟ سكتت أمها. — ماما... بابا كان يعرفهم؟ دمعة نزلت من عين أمها. — كان يعرفهم أكتر مما تتخيلي. — وآدم؟ بمجرد ما نطقت اسمه، أمها اتجمدت. — آدم؟ ليان قربت منها. — أيوه... آدم ابن الراجل اللي في الصورة. أمها شهقت. وسقطت الصورة من إيدها. ثم همست بصوت مرتجف: — آدم رجع؟ ليان بصت لها بصدمة. — إنتِ تعرفيه؟ لكن أمها لم تجب. كل اللي قالته وهي بتبص ناحية باب الشقة: — لازم تمشي من هنا... قبل ما يعرف إنك لسه عايشة. اتسعت عينا ليان. — مين؟ رفعت أمها عينيها لها. — أبو آدم. وفي نفس اللحظة... وصل لليان إشعار على هاتفها. رسالة من رقم مجهول: «مامتك قالت لك جزء من الحقيقة... لكن الجزء الأخطر لسه.» فضلت ليان واقفة قدام أمها، وعينيها متعلقة بيها. كلمة واحدة كانت بتتردد في دماغها: «لسه عايشة.» — ماما... إنتِ تقصدي إيه؟ أمها بصت لها، وملامحها كانت مليانة خوف. — مفيش وقت للكلام دلوقتي. — لأ، فيه وقت! أنا عايزة أفهم. إنتِ قولتي إن بابا سابنا بسبب الناس دول، وإن أبو آدم هو السبب... ودلوقتي بتقولي لازم أمشي قبل ما يعرف إني لسه عايشة! — ليان، اسمعيني... — لأ يا ماما! طول عمري كل ما أسألك عن بابا تقوليلي إنه مات وسكتِ. دلوقتي اكتشفت إن في حاجات مستخبية عني! أمها قربت منها ومسكت إيديها. — أبوكي ما ماتش. ليان شهقت. — إيه؟ — أبوكي عايش. رجعت ليان خطوة لورا. — مستحيل... — أنا اضطريت أقولك إنه مات. — ليه؟ دموع أمها نزلت. — عشان أحميكي. — تحميني من مين؟ سكتت أمها. — من أبو آدم؟ هزت رأسها ببطء. — أيوه. ليان حست إن الأرض بتتحرك تحت رجليها. — طب هو عمل إيه؟ — أبو آدم كان عايز يوصل لأبوكي بأي طريقة. — ليه؟ — عشان أبوكي كان شاهد على حاجة حصلت زمان. — حاجة إيه؟ أمها بصت للصورة. — الليلة اللي اتصورت فيها الصورة دي... أبوكي شاف جري..مة. اتسعت عينا ليان. — جر..يمة؟ — أيوه. — ومين عملها؟ أمها ما ردتش. وفجأة... خبط قوي على باب الشقة. الاتنين اتجمدوا. خبط تاني. أمها همست: — جه. — مين؟ — أبو آدم. قلب ليان وقع في رجليها. — إنتِ متأكدة؟ — أيوه. جالهم صوت راجل من بره: — افتحي يا سعاد. أم ليان قربت منها بسرعة. — اطلعي أوضتك. — لأ. — ليان، لو بتحبيني اسمعي كلامي. — بس... — اطلعي! طلعت ليان بسرعة، لكن بدل ما تدخل أوضتها، وقفت ورا الباب تسمع. فتحت أمها الباب. دخل رجل في أواخر الخمسينات، ملامحه جامدة ونظرته باردة. قال: — بنتك فين؟ — ملهاش دعوة بالموضوع. — أنا سألتك سؤال. — مش هقولك. ابتسم بسخرية. — لسه زي ما إنتِ... بتحاولي تحميها. ليان حطت إيدها على بوقها عشان تمنع نفسها من إصدار صوت. الرجل كمل: — كان لازم تفضلي بعيدة. — أنا ما أذيتش حد. — وجود بنتك لوحده خطر. — هي ملهاش ذنب. — الذنب مش مهم. سكت لحظة، ثم قال: — المهم إن أبوها رجع. ليان شهقت من غير ما تقصد. الرجل رفع عينيه ناحية الممر. — هي سمعتني؟ أمها وقفت قدامه. — لأ. لكنه ابتسم. — واضح إنها سمعت. ليان رجعت لورا بسرعة، ودخلت أوضتها وقفلت الباب. طلعت موبايلها بإيد مرتعشة. كانت لسه رسالة الرقم المجهول مفتوحة. كتبت: مين إنت؟ جاء الرد بعد ثوانٍ: «الشخص الوحيد اللي يقدر يحميكي من الحقيقة.» كتبت: إنت آدم؟ ظهرت علامة الكتابة. ثم جاء الرد: «لأ.» اتسعت عيناها. وقبل ما تلحق تكتب حاجة، وصلتها رسالة ثانية: «آدم نفسه مش عارف الحقيقة كاملة.» وفي اللحظة دي سمعت صوت خطوات بتقرب من باب أوضتها. رفعت عينيها ناحية الباب. الخطوات وقفت. ثم جاء صوت أمها: — ليان... افتحي. فتحت الباب بسرعة. كانت أمها واقفة لوحدها. — الراجل مشي؟ — أيوه. — وقال إيه؟ أمها سكتت. — ماما؟ — قال إن آدم بيدور عليكي. — ليه؟ — عشان عايز يعرف الحقيقة. ليان بصت للموبايل. ثم سألت: — وهو يعرف إن أبويا عايش؟ أمها هزت رأسها. — لأ. — طب مين اللي بعتلي الرسائل؟ أمها اتخضت. — رسائل إيه؟ ليان ورّتها الموبايل. أمها قرأت الرسائل، ووشها اتغير. — اقفلي الموبايل. — ليه؟ — لأن الرقم ده... سكتت. — إيه؟ — كان موجود عندي من خمستاشر سنة. ليان بصت لها بصدمة. — لمين؟ أمها قالت بصوت خافت: — لأبوكي. وفي نفس اللحظة، وصل إشعار جديد. «قولي لآدم ما يثقش في أبوه.» ثم رسالة ثانية: «لأن الشخص اللي بيدور عليكي مش عايز يقت..لك... عايز يعرف إنتِ ورثتي إيه من أبوكي.» ليان بصت لأمها. — ورثت إيه؟ لكن أمها ما ردتش. لأنها كانت بتبص لخاتم صغير في إيد ليان. خاتم كانت ليان لابساه من وهي طفلة... وفجأة قالت أمها: — الخاتم ده... مين جابهولك؟ ليان بصت لإيدها. — معرفش... كان معايا من وأنا صغيرة. أمها قربت منها، وصوتها ارتعش: — أبوكي هو اللي لبسهولك. — وليه؟ رفعت أمها عينيها لها وقالت: — لأنه مخبي جواه سر أكبر من كل اللي عرفتيه لحد دلوقتي. حلم ليلة حب الجزء التاني والاخير فضلت ليان باصة للخاتم اللي في صباعها، وكأنها أول مرة تشوفه. خاتم صغير من الفضة، كانت لابساه من طفولتها. عمرها ما سألت نفسها مين جابهولها أو ليه أبوها أصر إنها تفضل محتفظة بيه. لكن دلوقتي كل حاجة بقت مختلفة. قالت بصوت متوتر: — ماما... إيه السر اللي جواه؟ سعاد قعدت على طرف السرير، وحطت إيدها على صدرها. — أبوكي كان عارف إنه ممكن يختفي في أي لحظة. — يختفي؟ يعني إيه؟ — كان بيهرب من ناس أقوى منه. — أبو آدم؟ — هو وأبوه. ليان قربت منها. — طب ليه حط السر في الخاتم؟ — لأنه كان متأكد إن محدش هيدور في حاجة تخص طفلة. — وإنتِ كنتِ عارفة؟ — كنت عارفة إن الخاتم مهم... لكن ما كنتش أعرف إيه اللي جواه. — طب نعرف إزاي؟ سعاد بصت لها لحظة، ثم قالت: — كان أبوكي دايمًا يقول لي إن اليوم اللي الحقيقة تظهر فيه، هتعرفي بنفسك. ليان عقدت حاجبيها. — يعني إيه أعرف بنفسي؟ — الخاتم مش عادي. خلعت ليان الخاتم من إصبعها. — شكله عادي جدًا. — لأ. سعاد أخدته منها، ولفته بين صوابعها. — بصي هنا. أشارت إلى جزء صغير جدًا في حافة الخاتم. — شايفة العلامة دي؟ ليان قربت عينيها. كانت فيه فتحة دقيقة، شبه نقطة صغيرة جدًا. — دي إيه؟ — مفتاح. — مفتاح لإيه؟ — مش عارفة. — يعني إحنا عندنا سر جوه خاتم، ومفتاح، وأبويا عايش، وآدم بيدور عليا... وإنتِ مش عارفة حاجة؟ سعاد ابتسمت بحزن. — كنت بحاول أخليكي تعيشي حياة طبيعية. — بس أنا دلوقتي مش عايزة حياة طبيعية... أنا عايزة أعرف الحقيقة. وقبل ما تكمل، سمعت صوت عربية بتقف قدام البيت. سعاد قامت بسرعة. — آدم. ليان اتفاجئت. — إنتِ عرفتي منين؟ — نفس العربية. وقبل ما سعاد تلحق تمنعها، كانت ليان خرجت من البيت. نزلت السلم بسرعة. خرجت للشارع. كان آدم واقف جنب عربيته، وأول ما شافها، اتجه ناحيتها. — ليان! وقفت قدامه. — إنت عرفت إني هنا إزاي؟ — مامتك اتصلت بيا. — ليه؟ — قالتلي إن في حاجة حصلت. بصت له بشك. — وإنت كنت عارف إن أبويا عايش؟ آدم اتجمد. — مين قالك؟ — أمي. سكت. — رد عليا. — لأ. — بتكدب. — والله ما كنت أعرف. — طب أبوك؟ اتغيرت ملامحه. — أبويا يعرف؟ — مش عارفة. — ليان، اسمعيني... — لأ، إنت اسمعني. طلعت الخاتم من جيبها. — إنت تعرف ده؟ أول ما آدم شافه، تغير وشه. مد إيده ناحية الخاتم، لكنه توقف قبل ما يلمسه. — الخاتم ده معاكي من إمتى؟ — من وأنا طفلة. — مين اداكي إياه؟ — أبويا. سكت آدم. ليان قربت منه. — إنت تعرفه؟ — أعرف اسمه. — بس؟ — شوفته مرة واحدة وأنا صغير. — فين؟ — في نفس المكان اللي في الصورة. ليان اتنفضت. — يعني كنت موجود يومها؟ — أيوه. — وإنت كنت واقف جنبي؟ هز رأسه. — أيوه. سكتت لحظة، وبعدين قالت: — طب ليه مش فاكراني؟ آدم ابتسم بحزن. — عشان إنتِ اللي مش فاكراني. — إنت فاكرني؟ — فاكر كل حاجة. بصت له في عينيه. — حتى الحلم؟ سكت آدم. ثم قال: — الحلم مش أول مرة أشوفك فيها. قلبها دق بسرعة. — يعني إيه؟ — من سنين، وأنا بحلم بنفس المكان. — بنفس الحديقة؟ — أيوه. — وبنفس البنت؟ آدم قرب منها خطوة. — مش بس بنفس البنت... سكت. — أمال؟ بص في عينيها وقال: — بنفسك إنتِ. ليان ما قدرتش تتكلم. — بس إزاي؟ — معرفش. — وإنت ليه ما قلتليش من أول مرة؟ — عشان كنت خايف. — من إيه؟ — إنك لما تعرفي الحقيقة... تبعدي عني. سكتت ليان، وقلبها بدأ يلين رغم خوفها. لكنها افتكرت الرسائل. — آدم، في حد بيبعتلي رسائل. — مين؟ — مش عارفة. — وريني. طلعت موبايلها وورته الرسائل. قرأها آدم، ووشه اتغير. — الرقم ده... — إنت تعرفه؟ — أيوه. — لمين؟ رفع عينيه لها. — الرقم ده كان بتاع أبويا. ليان شهقت. — أبوك؟ — أيوه. — بس أمّي قالت إن الرقم كان بتاع أبويا! آدم سكت. وبص للخاتم. ثم قال: — يبقى واحد من الاتنين كان بيستخدم الرقم التاني. — مين؟ قبل ما يجاوب، وصل لليان إشعار جديد. «ما تثقيش في آدم.» وبعده بثواني: «لو عايزة تعرفي مكان أبوكي... تعالي للمكان اللي اتصورت فيه الصورة.» ليان رفعت عينيها لآدم. — أنا هروح. — لأ. — لازم أعرف الحقيقة. — وأنا هاجي معاكي. — يمكن تكون مصيدة. — عشان كده مش هسيبك تروحي لوحدك. نظرت له لحظة طويلة. ثم قالت: — آدم... — نعم؟ — لو اكتشفت إنك كنت بتكدب عليا... اقترب منها وقال بهدوء: — وقتها ابعدي عني من غير ما تندمي. سكتت. ولأول مرة، حست إن خوفها منه أقل من خوفها من فكرة إنها تخسره. وفي مكان آخر... كان رجل يفتح درجًا قديمًا، ويخرج منه صورة ثانية. الصورة نفسها. لكن من زاوية مختلفة. وفيها ظهر شيء لم يكن موجودًا في الصورة الأولى... طفلة ليان كانت ماسكة إيد آدم. وبجانبهم وقف رجل ثالث. رجل لم يكن من المفترض أن يكون موجودًا أصلًا. والرجل الثالث كان... والد ليان. حلم ليلة حب طول الطريق، ليان كانت ساكتة. قاعدة جنب آدم في العربية، وعينيها مثبتة على الطريق، لكن عقلها كان في حتة تانية خالص. الصورة اللي شافتها مش راضية تخرج من دماغها. أبوها. آدم. هي. والمكان نفسه. كلهم كانوا موجودين في نفس اليوم. لكن السؤال اللي كان بيخوفها أكتر: ليه أبوها اختفى بعدها؟ آدم كان سايق بهدوء، لكنه لاحظ توترها. قال من غير ما يبص لها: — إنتِ خايفة؟ — لأ. — كدابة. بصت له. — بقيت بتعرف إني بكذب بسرعة. ابتسم. — عشان بقيت أعرفك. سكتت. وبعد ثواني قالت: — آدم... — همم؟ — إنت فعلًا كنت بتحلم بيا؟ شد إيده على عجلة القيادة. — أيوه. — من إمتى؟ — من سنين. — نفس الحديقة؟ — نفس الحديقة. — ونفس الكلام؟ هز رأسه. — تقريبًا. — يعني كنت بتشوفني قبل ما تعرفني؟ — أيوه. بصت له باستغراب. — ده يخوف. — أنا كمان كان بيخوفني. سكت لحظة، ثم قال: — بس بعد ما شوفتك في الحقيقة، الحلم بقى أقل رعبًا. — ليه؟ بص لها للحظة. — عشان بقيت أعرف إنك موجودة فعلًا. قلبها دق أسرع. حولت نظرها للشباك. — إنت بتعرف تقول كلام يخلي الواحد يتوتر. ضحك. — مش قصدي. — واضح إنك قاصد. سكتوا هما الاتنين. ولأول مرة من بداية الحكاية، شعرت ليان إنها مش لوحدها. وصلوا للمكان بعد ساعة تقريبًا. كانت الحديقة القديمة مهجورة، والبوابة الحديدية عليها صدأ. نزل آدم من العربية، وفتح لها الباب. — خليكِ جنبي. — حاضر. دخلوا. كل خطوة كانت بتخلي ليان تحس إنها شافت المكان ده قبل كده. وصلوا للنافورة. وقفت فجأة. — هنا. آدم بص لها. — إيه؟ — أنا حلمت بالمكان ده. مشت ناحية النافورة. لمست الحافة بإيدها. وفجأة... جالها صداع قوي. حطت إيدها على رأسها. — ليان! آدم مسكها قبل ما تقع. — إنتِ كويسة؟ غمضت عينيها. وشافت صورة خاطفة. كانت طفلة. بتجري في الحديقة. وأبوها واقف قدامها. وصوت راجل بيصرخ: — لازم تختفي البنت! فتحت عينيها فجأة. — آدم! — أنا هنا. — أنا افتكرت! — افتكرتي إيه؟ — أبويا كان خايف عليا. — من مين؟ — مش عارفة. حاولت تركز. — كان بيقول لماما: "لو حصل لي حاجة، خدي ليان واهربي." آدم اتجمد. — كملي. — وبعدها... سكتت. — إيه؟ — شفتك. آدم قرب منها. — شفتيني؟ — كنت طفل... واقف بعيد. ابتسم بحزن. — كنت فاكر. لكن قبل ما يكمل... سمعوا صوت سيارة. آدم بص ناحية البوابة. — حد جاي. مسك إيد ليان. — لازم نستخبى. اختبأوا خلف مبنى قديم. دخل رجل للحديقة. ليان بصت من بعيد. جسمها كله ارتعش. — آدم... — إيه؟ — أنا أعرفه. — مين؟ أشارت للرجل. — الراجل اللي كان عندنا امبارح. آدم بص له. وشه اتغير. — ده عمي. — عمك؟ — أيوه. — ليه جاي هنا؟ الرجل وقف عند النافورة، وطلع موبايله. — المكان اتفتح تاني... يبقى البنت عرفت. جاءه صوت من الهاتف: — وآدم؟ رد الرجل: — آدم لسه مش فاهم حاجة. ليان حطت إيدها على بوقها. الرجل كمل: — بس المشكلة إن الخاتم ظهر. آدم بص لليان. وبعدين للخاتم. فهم إنهم كانوا بيتكلموا عنها. لكن المفاجأة كانت لما الرجل قال: — لازم نلاقي ليان قبل أبوها. انقطعت المكالمة. ليان همست: — أبويا بيدور عليا؟ آدم رد: — أيوه. — طب عمي بيدور عليا ليه؟ آدم ما ردش. لأنه فجأة لمح شيئًا في يد عمه. مفتاح صغير. نفس العلامة الموجودة على خاتم ليان. خرج آدم من مخبئه. — عمي! الرجل التفت فجأة. اتصدم. — آدم! ليان خرجت وراه. الرجل أول ما شافها، وشه شحب. — إنتِ... ليان قالت: — إنت تعرفني؟ سكت. — جاوبني! الرجل بص لآدم. — أبوك ما قالكش؟ آدم اقترب منه. — قال لي إيه؟ ابتسم الرجل بسخرية. — إن أبوك هو اللي أنقذها؟ آدم تجمد. — إيه؟ الرجل بص لليان. — أبوكي مش هو اللي خبّاكي. ثم نظر إلى آدم وقال: — أبوك هو اللي سلّم أبوكي... عشان ينقذ نفسه. ليان شهقت. — بتكدب! الرجل رد: — اسألي آدم. ثم رمى المفتاح على الأرض، واستدار وركب عربيته وغادر. آدم وقف مكانه مصدوم. ليان بصت له. — آدم... لم يرد. — آدم، بصلي. رفع عينيه لها. — أنا مش عارف. — يعني إيه مش عارف؟ — يعني كل اللي كنت فاكره عن أبويا... ممكن يكون كذب. ليان قربت منه. وفي اللحظة دي، رن هاتف آدم. نظر إلى الشاشة. رقم مجهول. فتح المكالمة. جاءه صوت رجل عجوز: — آدم... لو عايز تعرف الحقيقة عن ليان، تعالى لوحدك. — مين؟ — أبو ليان. انقطع الاتصال. آدم رفع عينيه ناحية ليان. وكانت المرة الأولى التي يظهر فيها الخوف الحقيقي على وجهه. لأن والد ليان... كان حيًا. والآن... طلب مقابلته. حلم ليلة حب الفصل الثامن: أبو ليان فضل آدم ماسك الموبايل بعد ما المكالمة انتهت، وكأنه مستني الصوت يرجع تاني. ليان كانت واقفة قدامه، وعينيها مليانة أسئلة. — مين كان بيتكلم؟ آدم سكت. — آدم، أنا بسألك. رفع عينيه لها وقال: — أبوكي. قلبها وقف للحظة. — أبويا؟ — أيوه. — قال إيه؟ — عايز يقابلني لوحدي. ليان قربت منه. — وأنا هاجي معاك. — لأ. — ليه؟ — لأنه طلب إني أروح لوحدي. — وإنت هتسمع كلامه؟ — مش عارف. ليان مسكت إيده. — أنا لازم أشوفه. آدم بص لإيدها، وبعدين لعينيها. — ليان، لو حصل لك حاجة... — مش هتحصل. — إنتِ مش عارفة مين اللي قدامنا. — ده أبويا. — اللي اختفى خمستاشر سنة؟ سكتت. — اللي خلى أمك تقول لك إنه مات؟ نزلت عينيها. — يمكن كان بيحاول يحمينا. — ويمكن كان فيه سبب تاني. رفعت عينيها له. — إنت شاكك فيه؟ — أنا شاكك في كل حاجة. ثم أضاف بهدوء: — ما عدا حاجة واحدة. — إيه؟ بص لها مباشرة. — إني مش هسيبك لوحدك. بعد ساعة، كانوا واقفين قدام بيت قديم في منطقة بعيدة عن الزحمة. آدم بص لها. — خليكِ في العربية. — لأ. — ليان... — أنا تعبت من إن كل الناس تقرر عني. سكت. ثم قال: — خليكي ورايا. نزلوا سوا. الباب كان مفتوح. دخل آدم الأول، وليان وراه. البيت كان هادي بشكل مخيف. وفجأة جاء صوت رجل من آخر الممر: — آدم رشدي؟ وقف آدم. — أيوه. ظهر رجل في أواخر الخمسينات، شعره مليان شيب، وملامحه مرهقة. أول ما عينيه وقعت على ليان... تغيرت ملامحه. — ليان... ليان وقفت مكانها. الكلمة دي هزت قلبها. — إنت... بابا؟ الرجل دمعت عينيه. — أيوه. فضلت تبص له ثواني. ثم قالت: — ليه؟ سؤال واحد. لكن كان وراه خمستاشر سنة من الوجع. — ليه سيبتني؟ أبوها قرب خطوة. — ما سبتكيش. — أمال عملت إيه؟ — حاولت أحميكي. — من مين؟ — من عيلة آدم. آدم اتدخل: — متدخلنيش في حاجة أنا معرفش عنها. أبو ليان بص له. — إنت ابن الرجل اللي دمّر حياتنا. آدم اتوتر. — أبويا مات وهو فاكر نفسه بريء. — أبوك كان بريء في حاجة واحدة. — إيه؟ — إنه كان بيحاول يحمي ابنه. سكت آدم. أبو ليان كمل: — لكنه خانني. — خانك إزاي؟ — لأنه سلّم مكان الخاتم. ليان لمست الخاتم. — الخاتم ده؟ أبوها هز رأسه. — أيوه. — إيه اللي جواه؟ — دليل. — دليل على إيه؟ أبوها بص لها بحزن. — على جر..يمة حصلت من خمستاشر سنة. ليان قربت. — مين عملها؟ سكت أبوها. ثم قال: — أبو آدم. آدم تراجع خطوة. — مستحيل. — شوف بعينك. أبو ليان فتح صندوق قديم، وطلع منه ملف. مده لآدم. آدم فتحه. كانت فيه مستندات وصور. كلها مرتبطة بأبو آدم. ليان قربت. لكن آدم قفل الملف فجأة. — مش عايز أشوف. أبو ليان قال: — لازم تعرف الحقيقة. آدم بص له بغضب. — الحقيقة إنك عايز تخليني أكره أبويا. — أنا مش محتاج أكرهك. — أمال؟ — محتاجك تحمي ليان. سكت آدم. ليان بصت لأبوها. — من مين؟ أبوها اتجه للباب. — من الرجل اللي بيدور عليكي. — مين؟ قبل ما يرد... انطلقت رصاصة من خارج البيت. تحطم زجاج النافذة. صرخت ليان. آدم جذبها بسرعة ووقعها على الأرض. — انزلي! أبوها اختفى خلف الحائط. — مين ده؟! صرخ آدم. جاء صوت من الخارج: — سلّموا البنت! آدم بص لليان. — متخافيش. — أنا خايفة. مسك إيدها. — أنا معاكي. أبوها أشار لهم إلى باب خلفي. — اخرجوا من هنا. — وإنت؟ — أنا هعطلهم. ليان هزت رأسها. — لأ، مش هسيبك تاني. اقترب منها أبوها، ووضع يده على وجهها. — أنا آسف يا بنتي. دموعها نزلت. — بابا... — سامحيني. ثم دفعهم ناحية الباب. خرج آدم بليان من الباب الخلفي، لكن قبل ما يركبوا العربية... سمعوا صوت طلقة ثانية. ليان حاولت ترجع. — بابا! آدم مسكها بقوة. — لأ! — سيبه! — لازم نمشي! ركبوا العربية وانطلقوا. بعد دقائق، كانت ليان تبكي بصمت. آدم مد إيده ومسح دمعة من على خدها. — هيكون بخير. — إنت متأكد؟ — مش متأكد. نظرت له. — بس وعدني بحاجة. — إيه؟ — ما تختفيش زي بابا. آدم سكت لحظة. ثم مسك إيدها. — مش هختفي. نظرت له. — حتى لو الحقيقة فرقتنا؟ اقترب منها قليلًا. — الحقيقة ممكن تفرق ناس كتير... ثم ابتسم بحزن. — بس مش هتفرقني عنك. ليان قلبها ارتجف. وفي تلك اللحظة، رن هاتف آدم. نظر للشاشة. رسالة من رقم مجهول: «لو عايز أبو ليان يعيش... سلّم لي الخاتم قبل منتصف الليل.» رفع آدم عينيه إلى ليان. هذه المرة لم يكن الخوف على وجهه من الحقيقة... بل عليها. — ليان... — إيه؟ — لازم نخبي الخاتم. — ليه؟ نظر إليها وقال: — لأن اللي طلبه مش أبويا... — أمال مين؟ صمت آدم لحظات. ثم قال: — الشخص اللي قت..ل أول شاهد على الجر..يمة. كانت ليان قاعدة جنب آدم، ولسه صدى كلمته الأخيرة بيرن في ودانها. — الشخص اللي قت..ل أول شاهد على الجر..يمة. بصت له بخوف. — يعني إيه؟ آدم كان سايق بسرعة، وعينيه ثابتة على الطريق. — يعني إن أبوكي كان عارف إن الخطر الحقيقي مش أبويا. — أمال مين؟ — معرفش. — بس إنت قلت إنك هتحميني. — وهحميكي. — حتى لو الخاتم هو السبب؟ — خصوصًا لو هو السبب. سكتت ليان. ثم قالت: — آدم، أنا مش عايزة أهرب تاني. — مش هنهرب. — أمال رايحين فين؟ — مكان محدش يعرفه. — وإنت تعرفه؟ — أيوه. بصت له بشك. — مين يعرفه غيرك؟ آدم سكت. ليان فهمت من سكوته إن في حاجة مش بيقولها. — آدم... — نعم؟ — إنت مخبي عني حاجة. — كلنا مخبيين حاجات. — لأ، أنا بسألك عنك إنت. شد على عجلة القيادة. — لما نوصل هقولك. وصلوا لبيت قديم على أطراف المدينة. كان بيت صغير محاط بأشجار عالية. فتح آدم الباب. دخلت ليان وبصت حواليها. — المكان ده بتاع مين؟ — بتاع أمي. — أمك كانت عايشة هنا؟ — أيوه. سكتت ليان. — وهي عارفة كل اللي حصل؟ — أمي ماتت وهي بتحاول تعرف الحقيقة. — يعني هي كمان كانت بتدور على أبويا؟ — لأ. بص لها. — كانت بتدور على شخص تاني. — مين؟ قبل ما يجاوب، سمعوا صوت سيارة بره. آدم قرب من الشباك. — محدش المفروض يعرف المكان ده. — مين؟ — معرفش. أطفأ الأنوار بسرعة. — ليان، تعالي. قربت منه. — إيه؟ — لازم نخرج من الباب الخلفي. — ليه؟ — في عربية واقفة بره. — يمكن حد عادي. — العربية عادية... لكن الشخص اللي جواها مش عادي. بدأوا يتحركوا ناحية الباب الخلفي. لكن فجأة... انفتح الباب الرئيسي. دخل رجل مسلح. آدم دفع ليان خلفه. — انزلي! الرجل رفع سلا..حه. — الخاتم. آدم وقف قدامه. — مش معايا. — كداب. — فتشني. الرجل قرب منه. في اللحظة دي، آدم ضربه في إيده، ووقع السلا..ح على الأرض. بدأ بينهم اشتباك. ليان كانت واقفة في زاوية، مرعوبة. وفجأة سمعت صوت رجل تاني من وراها: — متتحركيش. استدارت. كان فيه شخص تاني ماسك سلا..ح. لكن قبل ما يلحق يقرب منها... ظهر رجل ثالث وضربه. سقط على الأرض. ليان بصت للرجل اللي أنقذها. اتصدمت. — إنت؟ كان هو نفس الرجل اللي ظهر في الصورة القديمة. والد آدم. لكن ده مستحيل... لأن آدم كان بيقول إن أبوه مات. الرجل بص لها وقال: — أخيرًا لقيتك يا ليان. آدم وقف مكانه، كأنه اتجمد. — بابا؟ الرجل بص له. — أيوه. آدم قرب منه ببطء. — إنت عايش؟ — عايش. — ليه؟ — عشان أحميكم. — تحمينا من إيه؟ والده بص للخاتم. — من الحقيقة. ليان قالت: — الحقيقة إيه؟ والد آدم تنهد. — الحقيقة إن أبوكي مش الضحية الوحيدة. آدم عقد حاجبيه. — يعني إيه؟ — أنا وأبوك كنا شركاء. سكت. — في البداية كنا بنحاول نكشف شبكة فساد كبيرة. ليان قربت. — شبكة إيه؟ — ناس كانت بتستخدم شركات ومشاريع ضخمة لغسيل أموال، وأبوكي اكتشفهم. آدم قال: — وإيه علاقة الخاتم؟ — الخاتم فيه نسخة من الدليل. ليان لمست الخاتم. — طب ليه كل الناس دي عايزاه؟ والد آدم بص لها. — لأن الدليل ممكن يسقط ناس لسه عايشين. — مين؟ سكت. ثم قال: — شخص قريب منك جدًا. ليان شعرت ببرودة في جسدها. — قريب مني؟ — أيوه. — مين؟ قبل ما يجاوب... ظهر ضوء سيارة قوي من الخارج. والد آدم نظر من النافذة. — لقونا. آدم مسك إيد ليان. — لازم نمشي. لكن والده أمسك ذراعه. — لأ. — ليه؟ — لأن اللي بره مش جاي ياخد الخاتم. صمت. — جاي ياخد ليان. ليان تراجعت. — أنا؟ والد آدم أومأ. — لأن الخاتم مش هو السر الحقيقي. — أمال إيه؟ نظر إليها مباشرة. — إنتِ. تجمدت ليان. — أنا؟ — أيوه. — ليه؟ أبو آدم قال بصوت منخفض: — لأن أبوكي ما حطش الدليل في الخاتم. ثم أضاف: — هو حطه في ذاكرتك. وفي اللحظة دي، بدأ رأس ليان يؤلمها بعنف. سقطت على الأرض وهي تصرخ. وعادت لها صورة من الماضي... نفس الحديقة. نفس اليوم. لكن هذه المرة... تذكرت شيئًا لم تره من قبل. كانت طفلة صغيرة تمسك يد آدم. وأبوها يركع أمامها ويقول: — ليان، لو حصل لي حاجة... متنسيش اللي شوفتيه. ثم ظهر رجل أمامهم. وجهه كان واضحًا. فتحت ليان عينيها فجأة. صرخت: — أنا عرفته! آدم انحنى عليها. — مين؟ بصت له وهي ترتجف. — الشخص اللي قت..ل الشاهد... ثم قالت اسمًا جعل آدم ووالده يتبادلان نظرة صادمة: — عمي... أخو أمي. حلم ليلة حب الفصل العاشر: الحقيقة — عمي... أخو أمي. خرجت الكلمة من فم ليان وهي ترتعش. آدم فضل باصص لها ثواني، وبعدها بص لأبوه. — عميها؟ أبوه أومأ ببطء. — أيوه. ليان مسكت رأسها. — أنا شوفته يومها... كان واقف قدام باب الحديقة. آدم قرب منها. — إنتِ متأكدة؟ — أيوه. — بس ليه؟ — معرفش. أبو آدم قال: — لأن أبوكي اكتشف الحقيقة. — حقيقة إيه؟ — إن أخو أمك كان جزء من الشبكة. ليان شهقت. — عمي؟ — أيوه. — مستحيل... عمي كان دايمًا بيحمينا. أبو آدم رد بحزن: — أحيانًا أخطر الناس بيكونوا أقرب الناس. سكتت ليان. ثم قالت: — طب هو عمل إيه؟ — حاول يسكت أبوكي. — وماما؟ — أمك كانت عارفة جزء من الحقيقة، لكن أبوكي طلب منها تخبي كل حاجة عنك. ليان دموعها نزلت. — ليه أنا؟ أبو آدم نظر إليها. — لأنك كنتِ الشاهدة الوحيدة. — أنا؟ — أيوه. وإنتِ كنتِ صغيرة، لكن أبوكي عرف إن عقلك حفظ تفاصيل اليوم ده حتى لو ذاكرتك اختفت. آدم جلس بجانبها. — عشان كده كنتِ بتحلمي بالمكان؟ أبو آدم هز رأسه. — الأحلام كانت ذاكرتك بتحاول ترجع. ليان بصت لآدم. — وإنت؟ — أنا كنت موجود في اليوم ده. — عشان كده ظهرتلي في الحلم؟ ابتسم آدم بحزن. — يمكن. ثم قال: — أو يمكن لأننا كنا مرتبطين باليوم ده من غير ما نعرف. ليان سكتت. وفي وسط كل الخوف، لقت نفسها بتبص له بطريقة مختلفة. كان هو الشخص الوحيد اللي وقف جنبها من أول لحظة. فجأة، دوى صوت سيارات أمام البيت. أبو آدم وقف. — لازم نخرج. آدم مسك إيد ليان. — تعالي. خرجوا من الباب الخلفي، لكن قبل ما يركبوا العربية، ظهر رجل من الظلام. — ليان! وقفت. كان عمها. رفع يده. — تعالي معايا. آدم وقف أمامها. — مش هتروح في حتة. عمها ابتسم. — إنت فاكر إنك تقدر تحميها؟ — أقدر. — إنت مش عارف حتى أبوك عمل إيه. آدم رد بغضب: — كفاية كذب. عم ليان بص لها. — أبوكي هو اللي قت..ل الشاهد. ليان تجمدت. — كدب! — اسألي أمك. آدم بص لها. — متصدقيهوش. عمها ضحك. — هي مش محتاجة تصدقني... عندها دليل. وأخرج هاتفه، وشغل تسجيلًا قديمًا. ظهر صوت والد ليان: — أنا قت..لت الرجل. ليان شهقت. — بابا؟ عمها قال: — سمعتي بنفسك. آدم بص للتسجيل، ثم لليان. لكن قبل ما تتكلم، أبو آدم قال: — التسجيل ناقص. العم التفت له. — إنت! — الصوت ده متقطع. — ومين يثبت؟ أبو آدم أخرج جهازًا صغيرًا. — التسجيل الأصلي عندي. شغل التسجيل. ظهر صوت والد ليان: — أنا قت..لت الرجل... ثم جاء صوت آخر: — وإنت كنت مضطر؟ والد ليان: — أيوه... لأنه كان هيقت..ل بنتي. ثم صوت العم: — وأنا هخلص عليها. انقطع التسجيل. ليان وضعت يدها على فمها. بصت لعمها. — كنت عايز تقت..لني؟ لأول مرة اختفت الابتسامة من وجهه. — إنتِ كنتِ هتضيعي كل حاجة. — عشان كده خوفتني؟ — كنت لازم أنهي الموضوع. آدم وقف أمام ليان. — مش هتقرب منها. العم أخرج سلا..حه. لكن أبو آدم كان أسرع. ضرب يده، فسقط السلا..ح. وصلت الشرطة بعد دقائق. كان أبو ليان قد أبلغهم بكل شيء قبل المواجهة. وقبل أن يُقتاد عمها، بصت له ليان. — ليه؟ رد ببرود: — عشان الفلوس. ثم رحل. بعد ساعات، كانت ليان قاعدة أمام البحر. آدم جلس بجانبها. سكتوا فترة طويلة. قالت: — كل حاجة اتغيرت. — أيوه. — أنا طول عمري فاكرة إن بابا مات. — دلوقتي عرفتي إنه عايش. — وماما كانت بتحميني. — وأبويا كان بيحاول يصلح غلطه. ابتسمت بحزن. — وإنت؟ — أنا؟ — إنت كنت إيه في كل الحكاية دي؟ نظر إليها طويلًا. — يمكن كنت الشخص اللي كان لازم يرجعلك حلمك. ضحكت وسط دموعها. — لسه فاكر الحلم؟ — مستحيل أنساه. — وأنا كمان. سكتت لحظة. ثم قالت: — آدم... — نعم؟ — لما قلتلي في الحلم إنك هتلاقيني في الحقيقة... ابتسم. — أيوه؟ — كنت عارف إن ده هيحصل؟ هز رأسه. — لأ. ثم مد إيده لها. — بس كنت أتمنى. وضعت يدها في يده. ابتسمت. وفي اللحظة دي، أدركت ليان إن الحلم اللي كانت فاكرة إنه مجرد ليلة حب... كان في الحقيقة بداية لحياة كاملة. اقترب آدم منها وقال: — عندي سؤال. — اسأل. — لو رجعنا لأول يوم، وكنتِ عارفة كل اللي هيحصل... سكت لحظة. — كنتِ هتمدي إيدك لي في الحلم؟ نظرت له، ثم ابتسمت. — أيوه. — ليه؟ — عشان رغم كل اللي حصل... شدت على إيده. — قلبي كان عارف إنك الشخص الصح. ابتسم آدم. — وأنا قلبي كان مستنيكي من قبل ما أعرف اسمك. وفي تلك اللحظة، بدأت الشمس تغيب خلف البحر. لكن بالنسبة لليان... كانت دي أول ليلة حب حقيقية في حياتها. ♡♡♡♡♡ كانت ليان واقفة قدام البحر، والهواء بيحرك خصلات شعرها بهدوء، وعينيها ثابتة على الموج. قرب آدم منها من غير ما يتكلم. وقفت لحظة لما حست بوجوده، لكنها ما بعدتش. قال بصوت هادي: — سرحانة في إيه؟ ابتسمت ابتسامة صغيرة. — في كل حاجة حصلت. — ندمانة؟ لفت له. — على إيه؟ — إنك عرفتي الحقيقة... وإنك قابلتيني. بصت له شوية، وبعدها قالت: — لو سألتني من كام يوم كنت هقولك آه. — ودلوقتي؟ قرب خطوة. — دلوقتي... لأ. سكت آدم، وعينيه ثبتت في عينيها. — ليان... — نعم؟ — أنا من أول يوم شوفتك فيه، حسيت إن في حاجة مختلفة. ضحكت بخفة. — أول يوم؟ ولا أول حلم؟ ابتسم. — الاتنين. خفضت عينيها بخجل. — إنت عارف إنك بتوترني؟ — عارف. — ومبسوط؟ — جدًا. ضحكت، فضحك هو كمان. مد إيده ببطء، وأمسك إيدها. لم تسحبها. قال: — عارفة إيه أكتر حاجة خوفتني؟ — إيه؟ — إني ألاقيكي... وبعدها أخسرك. رفعت عينيها له. — وأنا أكتر حاجة خوفتني إني أحبك وأكتشف إنك كنت جزء من كل اللي وجعني. شد على إيدها. — ولو كنت جزء من وجعك؟ — كنت هبعد. — ودلوقتي؟ اقتربت منه قليلًا. — دلوقتي أنا عارفة إنك كنت بتحاول تحميني. سكت آدم. ثم رفع يده ولمس خدها بحنان. — كنتِ بتستاهلي حد يحمي قلبك كمان. لمعت عيناها بالدموع. — وإنت؟ — أنا؟ — مين هيحمي قلبك؟ ابتسم. — إنتِ. نزلت دمعة من عينها، فمسحها بإبهامه. — متعيطيش. — مش عياط. — أمال إيه؟ — يمكن فرحة. — فرحانة؟ هزت رأسها. — عشان أخيرًا لقيت الشخص اللي كنت بحلم بيه. ابتسم آدم. — وأنا لقيت البنت اللي كنت بشوفها في أحلامي. اقترب منها أكثر، لكنه توقف قبل أن يلامسها، وكأنه ينتظر موافقتها. نظرت ليان لعينيه، ثم أغمضت عينيها للحظة. اقترب منها بحنان، وطبع قبلة قصيرة على جبينها. فتحت عينيها وهي تبتسم. — بس؟ ضحك. — إنتِ عايزة إيه؟ وضعت رأسها على صدره وقالت بخجل: — ولا حاجة. لف ذراعيه حولها، وضمها إليه. فضلوا واقفين قدام البحر، من غير كلام. وفي حضنه، شعرت ليان لأول مرة إن كل الخوف انتهى. همس آدم عند أذنها: — فاكرة لما قولتلك إنك هتلاقيني في الحقيقة؟ ابتسمت وهي بين ذراعيه. — أيوه. — طلعت عندي كلمة. رفعت رأسها. — يعني إيه؟ ابتسم. — يعني الحلم كان البداية بس. وضعت يدها على صدره. — وأنا مش عايزة أصحى منه. ضمها أكثر وقال: — ولا أنا. فضلت ليان بين إيدين آدم، سامعة دقات قلبه، وكل شوية ترفع عينيها له وكأنها لسه مش مصدقة إن كل اللي عاشته في الأيام اللي فاتت بقى حقيقة. قالت بصوت واطي: — آدم؟ — عيونه. — أنا خايفة. اختفت الابتسامة من على وشه. — من إيه؟ — من إن كل ده يخلص فجأة... أصحى ألاقي نفسي بحلم تاني. شدها ناحيته أكتر. — بصيلي. رفعت عينيها. — أنا هنا. — عارفة. — ومش هختفي. ابتسمت بحزن. — وعد؟ — وعد. فضل ساكت شوية، وبعدها قال: — بس عندي طلب. — إيه؟ — لما تخافي، متبعديش عني. ابتسمت. — ولو زعلت منك؟ — اتخانقي معايا. ضحكت. — ولو أنت اللي زعلت؟ — هاجي أصالحك. — ولو العناد أخدك؟ — هسيبه على جنب وأجيلك. ضحكت أكتر. — إنت ناوي تدلعني كده؟ — أنا ناوي أعوضك عن كل مرة حسيتِ فيها إنك لوحدك. نظرتها اتغيرت. — آدم... — نعم؟ — متقولش كلام حلو قوي. — ليه؟ — عشان قلبي مش متعود. رفع إيده ولمس شعرها بحنان. — يتعود. سكتت، ثم قالت: — عارفة إيه أكتر حاجة بحبها فيك؟ — إيه؟ — إنك لما بتبصلي... بحس إني مش محتاجة أشرح نفسي. ابتسم. — وأنا بحب فيكي إنك رغم كل اللي حصل، لسه عندك قلب يعرف يحب. سندت رأسها على صدره. — يمكن عشان لقيت حد يستاهل. سكت آدم لحظة، وكأنه تأثر بكلمتها. ثم قال: — ليان... — همم؟ — أنا مش عايز أكون حلمك. رفعت رأسها باستغراب. — أمال عايز تكون إيه؟ ابتسم وهو ينظر في عينيها. — الحقيقة اللي تفتحي عينيكي كل يوم تلاقيها جنبك. ابتسمت. — يبقى خليك. — هفضل. — مهما حصل؟ — مهما حصل. مد يده لها. — تعالي. — فين؟ — نمشي شوية. — دلوقتي؟ — أيوه. مشيت ليان جنبه، وإيدها في إيده. كانت خطواتهم بطيئة، والموج بيضرب الشاطئ قدامهم. بعد شوية، وقفت فجأة. — آدم. — نعم؟ — أنا فاكرة حاجة من الحلم. — إيه؟ — كنت بتقولي إن بعض الليالي بتنتهي، لكن اللي بتسيبه في القلب ما بينتهيش. ابتسم. — فاكر. — كنت تقصد إيه؟ قرب منها وقال: — كنت أقصد إن ليلة الحب ممكن تخلص... ثم أمسك يدها ووضعها فوق قلبه. — لكن لو الحب حقيقي، بيبدأ بعدها. نظرت له والدموع لمعت في عينيها. — وأنا عايزة يبدأ. ابتسم. — يبقى نبدأ. وضعت رأسها على كتفه، ومشوا معًا ناحية ضوء المدينة. وفي اللحظة دي، فهمت ليان إن أجمل الأحلام مش اللي بنصحى منها... لكن اللي بنقرر نعيشها. تمت. مشهد: لما الحب يطمن (يبدأ ببوسة) آدم مال براسه ببطء، وإيده كانت على خد ليان. قبل ما تقول حاجة، لمس شفايفها ببوسة هادية في الأول… زي ما يكون بيسألها لو مسموح. لما حسّتِ إنها بترد عليه، غيّر البوسة، بقت أعمق وأحن، مليانة كل الكلام اللي ما قدروش يقولوه الأيام اللي فاتت. فضلت ليان بين إيديه، جسدها ملتصق بصدره، والبوسة لسه ما خلصتش. كانت سامعة دقات قلبه الهادية بتختلط بدقات قلبها. لما ابعد شوية، فضل وشّه قريب جدًا من وشها، وأنفاسه بتلمس شفايفها. رفعت عينيها له بصوت همس شبه مش مسموع: — آدم؟ — عيونه… أنا هنا. — أنا خايفة. ابتسم ابتسامة صغيرة حزينة، وإيده لسه على خدها بتمسحها بهدوء. — من إيه يا حبيبتي؟ — من إن كل ده يخلص فجأة… أصحى ألاقي نفسي لوحدي تاني. شدها ناحيته أكتر، لحد ما مفيش أي مسافة بينهم، وهمس قريب من ودنها: — بصيلي. رفعت عينيها، ولقت نظرته بتحتضنها قبل ما إيديه تعمل كده. — أنا هنا. ومش هختفي. ابتسمت بحزن ناعم، والدموع لمعت في رموشها. — وعد؟ — وعد. وعد من قلبي. فضل ساكت شوية، بيمسح شعرها بإيده، وبعدين قال بصوت أعمق: — بس عندي طلب واحد. — إيه؟ — لما تخافي… متبعديش عني. اتمسّكي بيا أكتر. ابتسمت ابتسامة صغيرة دافية. — ولو زعلت منك؟ — اتخانقي معايا… بس متسيبيش إيدي. ضحكت بهدوء، صوتها اتخلط بصوت الموج. — ولو أنت اللي زعلت؟ — هاجي أصالحك حتى لو كنتِ نايمة. هقعد جنبك لحد ما تسامحيني. — ولو العناد أخدك؟ — هسيبه برا، وأدخل لقلبك زي ما هو. ضحكت أكتر، ودفنت وشها في رقبته لحظة. — إنت ناوي تدلعني كده؟ — أنا ناوي أعوضك عن كل ليلة حسيتِ فيها إنك لوحدك… عن كل مرة نامتي وإنتِ مش طمأنينة. نظرتها اتغيرت، بقت أعمق وأحن. — آدم… — نعم؟ — متقولش كلام حلو قوي كده. — ليه؟ — عشان قلبي مش متعود… وبيوجعني من كتر ما هو فرحان. رفع إيده ولمس شعرها بحنان، وبعدين نزل بإيده لحد خدها. — يتعود… أنا هخليه يتعود كل يوم. سكتت شوية، وبعدين رفعت راسها ونظرت في عينيه: — عارفة إيه أكتر حاجة بحبها فيك؟ — إيه؟ — إنك لما بتبصلي… بحس إني مش محتاجة أشرح نفسي. بحس إنك شايف كل حاجة جوايا من غير كلام. ابتسم ابتسامة هادية، ونظرته كانت مليانة حب صافي. — وأنا بحب فيكي إنك رغم كل اللي حصل… لسه عندك قلب يعرف يحب بهدوء كده. سندت راسها على صدره تاني، وإيدها كانت ماسكة قميصه برفق. — يمكن عشان لقيت حد يستاهل… حد بيطمّن من غير ما يقول كتير. سكت آدم لحظة طويلة، وكأنه بيحس بكل حرف قالته جوه صدره. بعدين همس: — ليان… — همم؟ — أنا مش عايز أكون حلمك. رفعت راسها باستغراب ناعم. — أمال عايز تكون إيه؟ ابتسم وهو بيبص في عينيها بعمق، وإيده لسه على خدها: — الحقيقة اللي تفتحي عينيكي كل صباح تلاقيها جنبك… اللي تسمعي صوتها قبل ما تصحي، واللي تنامي وأنتِ عارفة إنها مش هتمشي. ابتسمت، والدموع دي المرة نزلت بهدوء. — يبقى خليك. — هفضل. — مهما حصل؟ — مهما حصل. حتى لو الدنيا اتهدت حوالينا. مد إيده لها، وإيده كانت دافية. — تعالي. — فين؟ — نمشي شوية… عايز أحس إنك جنبي وإنتِ ماشية، مش بس وإنتِ في حضني. مسكت إيده من غير تفكير، ومشوا مع بعض على الشاطئ. خطواتهم بطيئة، والموج بيضرب الرمل قدامهم بهدوء، والهوا كان بيلف شعرها على كتفه. بعد شوية وقفت فجأة، وإيدها لسه في إيده. — آدم. — نعم؟ — أنا فاكرة حاجة من الحلم. — إيه؟ — كنت بتقولي إن بعض الليالي بتنتهي… لكن اللي بتسيبه في القلب ما بينتهيش. ابتسم ابتسامة صغيرة، ونظر للموج. — فاكر. كنت بتقولي الكلام ده وإنتِ نايمة على صدري. — كنت تقصد إيه؟ قرب منها أكتر، أخد إيدها وحطها فوق قلبه، خلى صوابعها تحس دقاته. — كنت أقصد إن ليلة الحب ممكن تخلص… بس لو الحب حقيقي، بيبدأ بعدها. بيبدأ كل صباح جديد، وكل مرة تبصيلي، وكل مرة أمسك إيديك. نظرت له والدموع لمعت في عينيها تاني، بس المرة دي كانت دموع طمأنينة. — وأنا عايزة يبدأ… عايزة يعيش. ابتسم، وقرّب وشه من جبهتها، وبعدين نزل لشفايفها وباسها بوسة قصيرة هادية، كأنها ختم على كلامه. همس وهي لسه عينيها مقفولة: — يبقى نبدأ… من دلوقتي. وضعت راسها على كتفه، وإيدها لسه فوق قلبه، ومشوا مع بعض ناحية ضوء المدينة البعيد. وفي اللحظة دي، فهمت ليان إن أجمل الأحلام مش اللي بنصحى منها… لكن اللي بنقرر نعيشها، ونمسك إيد بعض ونمشي بيها.