عهد الدباغ ل سعاد محمد سلامه

بينما يارا وقفت تلتقط أنفاسها بصدرٍ يعلو ويهبط غيظًا، تبتلع مرارة الخسارة
تقدّمت ببطء نحو الجدار الزجاجي، لمست السطح البارد بيديها كأنها تُحاكمه على انكسار عزيمتها، انعكس وجهها المتعب في الزجاج، مزيج من الكبرياء والخيبة… خلفها، ارتفع صوت بعض المُشجعين ضاحكًا ، فشدت يارا قبضتها على المضرب، غيظها يغلي في عروقها أكثر من العرق الذي يغمر جبينها.
تنفست بعمق، رفعت رأسها بثبات،
ثم التقطت الطابة من الأرض، أغلقت أصابعها حولها بقوة، كأنها تُمسك بوعد جديد بينها وبين نفسها… بينما الآخر نظر لها بنظرات إعجاب، مد يده لمصافحتها قائلًا:
حظ موفق الماتشات الجاية

توقف للحظة ثم إستطرد حديثه يُعرف نفسه لها:
“نديم الجنايني” بطل مصر فى الإسكواش، وتاني العالم.

نظرت نحو يده الممدودة بغرور وتعالي، للحظات قبل أن تمد يدها لمصافحته قائلة بغرور:
معنى كده إني كنت بلاعب بطل عالمي، خِسرت قدامك بنتيجة متقاربة، يعني خسارتي تعتبر مكسب…
أنا “يارا محي الدين الدباغ”

لمعت عيناه بإعجاب لا يستطيع إنكاره رغم شعوره أنها مُتعالية، لكن
ابتسم ابتسامة خفيفة، مزيج بين الإعجاب والتحدي، قائلًا بنبرة واثقة:
واضح إن عندك ثقة بنفسك أكتر من بعض اللعيبة المُحترفين اللي كسبوني قبل كده.

رفعت حاجبها بتحدٍ ساخر، ومسحت بظهر يدها عرق جبينها وهي تتحدث بغرور:
الثقة مش غرور يا كابتن، دي إيمان بقدراتي… وده اللي بيخلي الخسارة عندي مش نهاية، بس بداية لجولة تانية.

ضحك بخفوت، نظر إليها وهو يجمع أغراضه قائلاً:
واضح إن الجولة التانية هتكون نارية… وأنا مستنيها.

رمقته بنظرة حادة كأنها تُعلن الحرب، ثم قالت بثقة:
خليك مستعد، المرة الجاية مش هاسمحلك تكسب.

غادر الملعب بخطوات ثابتة، دون مبالاة… بينما ظلت يارا واقفة في مكانها للحظات، تُراقب انعكاس صورتها في الزجاج مرة أخرى…لأول مرة تشعر بهذا الشعور أن لا تكون محل مدح من أمامها، ذلك المغرور، فاقها فى التعالي حين غادر غير مُباليًا… تحدي دخل الى عقلها لابد لذلك المُتباهي أن يعلم أنها تكون يارا إبنة “محي الدين الدباغ”.
❈-❈-❈
في منطقة شعبية مجاورة للغورية،
داخل منزلٍ قديم في الطابق الثاني…
كانت تجلس على أريكة صغيرة في ردهة ضيقة، تُحاول أن تُخفي إرهاق يومها بابتسامةٍ باهتة رسمتها لوالدتها التي وضعت أمامها صينية صغيرة، عليها كوبان من الشاي وثالثة مملوءة بالماء… ثم جلست بجوارها، وضعت كفها على فخذها برفق قائلة بنبرة يغلب عليها الجشع:
لو كنتِ جيتي بدري شوية كنتِ اتغديتي معايا أنا وأبوكِ،
مطبختش النهاردة، كان عندنا شوية طبيخ بايت اتغدينا بيهم وخلصوا،
وقلت لأبوكِ وهو راجع بالليل يجيب فول وفلافل نتعشى بيهم…
إنتِ عارفة إن مفيش غيري أنا وهو، بنقضيها بأي حاجة تسد الجوع…
بقينا من بعد ما اتجوزتوا إنتِ وأختك،بنقضيها أي حاجة.. كأننا زهدنا في الأكل،
ولا بقى لينا نفس في حاجة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *