عهد الدباغ ل سعاد محمد سلامه
تبدلت ملامح فاروق للحظة، كأن كلمات إجلال اخترقت جدار الجمود الذي بناه حول نفسه، لكنه سرعان ما أخفى اضطرابه بنفس عميق وزفرة ثقيلة، ثم تحدث ببرودٍ مقصود:
ماما، الموضوع مش قسوة… أنا مش ضد فرح، بس مفيش بينا حاجة تخليني أتعامل معاها كأننا متجوزين خلاص…
أنا… بحاول أديها حقها، بس مش عايز أمثل مشاعر مش موجودة.
تفوهت إجلال بحدة ممزوجة بالألم:
ومين قالك تمثل المشاعر بتتولد بالاهتمام، بالرعاية، مش بالسكوت والتجاهل
صمت هو، ينظر أرضًا، وصوتها يجلجل في أذنه كأنها تصفعه بالحقائق التي يهرب منها.
مرت ثوانٍ طويلة قبل أن يقول أخيرًا بنبرة إستسلام :
حاضر يا ماما… هحاول.
ابتسمت إجلال رغم الشك في عينيها، قائلة بنعومةٍ تخفي تعبها:
هو ده اللي عايزاه منك يا ابني، بس جرب… جرب تفتح باب قلبك شوية… ومتأكدة هتحب فرح.
غادر فاروق يتردد بعقله حديث والدته
تداخلت في رأسه كلماتها:
فرح بنت محتاجة تحس بشوية اهتمام منك…
جملة بسيطة، لكنها استقرت في أعماقه، تثير داخله جدلًا لم يكن يريد خوضه… لكن لابد من بداية وهو ليس ضعيف… ولا يخشي مقابلة عهد… كل ما كان يشعر به نحوها مجرد اعجاب وتلاشي.
❈-❈-❈
مساءً
إستقبل توفيق فاروق يرسم ابتسامه باهته، تحمل فاروق تلك الابتسامة وجلس معه يتحدثان، أوضح فاروق سبب إنشغاله لم يكن تجاهلًا بل كان بسبب تراكُم العمل… تفهم توفيق ذلك، كذالك فرح…
بعد قليل تركهما توفيق معًا وغادر الغرفة
جلس فاروق على طرف الأريكة وكأنه يجلس فوق شوكٍ خفي، عيناه تتفادى النظر إليها، وصوته جاف لا يحمل ودًا ولا رغبة في حديث.
قطع الصمت بسؤال يبدوا ودود
عاملة إيه.
ابتسمت فرح بتوتر، تخفي ارتباكها خلف هدوء مصطنع:
الحمد لله… وإنت عامل إيه.
أجاب بلامبالاةٍ ثقيلة:
شغل وضغط كالعادة.
ساد الصمت بينهما مرة أخرى، حتى بدا صوت عقارب الساعة طاغيًا، كأنها تُعنفهما على ذلك الجفاء الذي خيم بين جدران الغرفة.
تنحنحت فرح بخفوتٍ تحاول قطع الصمت:
طنط اجلال كانت هنا إمبارح، وقالت إنك مشغول الشغل كتير الفترة دى.
هز رأسه، ألقى بكلمة مقتضبة:
فعلًا.
تبادل الصمت والأنفاس بينهما، كأن الهواء نفسه تهيّب المرور من بين الحواجز التي نسجها البرود…
رفعت نظرتها نحوه، بعينين تفيض بأسئلة لا تجد طريقها إلى لسانها…
هو بدوره عدل جلسته، طالع ساعته في توتر واضح، كمن يبحث عن حُجةٍ للمغادرة.