سأكتب اسمكِ على الرمال سعاد محمد سلامه من الفصل الاول الى الرابع

هبّت نسمة باردة، فاحتضنت ذراعيها، بينما بقيت عيناها معلقتين بالأفق، تنتظر شيئًا لا تعرف اسمه… أو ربما شخصًا لم تتوقف يومًا عن انتظاره…
واصلت سيرها بمحاذاة الشاطئ بخطوات هادئة، حتى توقفت دون أن تشعر… ارتسمت ابتسامة دافئة على شفتيها وهي ترى طفلين يجلسان فوق الرمال، ينحنيان بحماس لكتابة كلمات ورسومات صغيرة بأصابعهما، ثم يبتعدان قليلًا وينتظران الموج القادم…
ما إن وصلت المياه حتى ابتلعت الكلمات ومحَتها تمامًا، فانفجرا ضاحكين، وسرعان ما عادا يكتبان غيرها، وكأن اختفاءها جزء من اللعبة…
راقبتهما بصمت، واتسعت ابتسامتها…
يا لبراءة الطفولة… يكتبون وهم يعلمون أن الموج سيمحو كل شيء، ثم يعاودون الكتابة دون خوف أو ندم…
أما نحن… فنقضي أعمارنا نحاول حماية كلمات كان ينبغي أن نتركها للبحر منذ زمن…
قبل أن تبتعد، تجمدت خطواتها، وخفتت ابتسامتها شيئًا فشيئًا…
اتسعت عيناها وهي تستعيد ذكرى بعيدة… ذكرى ظنت أن الزمن ابتلعها…
كانت يومًا ما في مثل هذا المكان، نفس بالبراءة ذاتها، تركض فوق الرمال وتكتب اسمً بخط كبير، ثم تنتظر… وحين تمتد الموجة وتمحو ما كتبته، كانت تعقد حاجبيها في ضيق، وتضرب الماء بقدميها الصغيرة وهي تتمتم بغضب:
ليه كل مرة تمسح الاسم اللى بكتبه.

فتضحك والدتها، وتربت على رأسها قائلة:
البحر مش بيمحي يا ميراج… البحر بيعلمنا إن في حاجات لازم نسيبها تروح.

وقتها لم تفهم معنى الكلمات، وكانت تعود لتكتب الاسم من جديد، متحدية الأمواج في كل مرة.
أما الآن…
فأدركت أن البحر كان ينتصر دائمًا، وأن بعض الأشياء، مهما تمسكنا بها، لا تبقى مكتوبة على رمال الحياة إلى الأبد.

قطع شرودها رنين هاتفها…
انتفضت على أثره، وأخرجت الهاتف من حقيبتها، ثم أجابت بعدما ظهر اسم المحامي على الشاشة.
أهلًا أستاذ…بعتذر عن ميعاد مقابلتنا النهاردة حصل…

جاءها صوته هادئًا يحمل نبرة عملية متفهمً: مساء الخير يا آنسة ميراج.. مش مشكلة أمر حضورك… أنا اتصلت عشان أبلغك أن البشمهندس أديم وافق على تنفيذ الوصية.

اتسعت عيناها، وشعرت بأن نبضات قلبها تعالت فجأة… بذهول سألت:
وافق.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *